صديق الحسيني القنوجي البخاري

4

فتح البيان في مقاصد القرآن

ما ذكر طلاقا ، ثم تقول : أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي ، وأن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك ، فهذا معنى قوله : وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ قال الواحدي : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في خولة بنت ثعلبة ، وزوجها أوس بن الصامت ، وكان به لمم فاشتد به لممه ذات يوم فظاهر منها ، ثم ندم على ذلك ، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية ، وقيل : هي خولة بنت حكيم ، وقيل : اسمها جميلة ، والأول أصح . وقيل : هي بنت خويلد قال الماوردي : إنها نسبت تارة إلى أبيها وتارة إلى جدها وأحدهما أبوها والآخر جدها فهي خولة بنت ثعلبة بن خويلد . روي أن عمر بن الخطاب مر بها في زمن خلافته وهو على حمار والنار حوله فاستوقفته ووعظته ، فقيل له : أتقف لهذه العجوز هذا الموقف ؟ فقال أتدرون من هذه العجوز ؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع اللّه قولها من فوق سبع سماوات ، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر ؟ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما مستأنفة جارية مجرى التعليل لما قبلها ، أي واللّه يعلم تراجعكما في الكلام من حاور إذا راجع ، أو حور إذا رجع ، أو جملة حالية وهو بعيد . وقد أخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم . عن عائشة قالت : « تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهي تقول : يا رسول اللّه أكل شبابي ، ونثرت له بطني ، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللّهم إني أشكو إليك ، قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وهو أوس بن الصامت » . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يسمع كل مسموع ، ويبصر كل مبصر ، ومن جملة ذلك ما جادلتك به هذه المرأة ، أخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والبيهقي . من طريق يوسف بن عبد اللّه قال : « حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت : فيّ واللّه وفي أوس بن الصامت أنزل اللّه صدر سورة المجادلة ، قالت : كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، فدخل عليّ يوما فراجعته بشيء فغضب فقال : أنت عليّ كظهر أمي ، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة ، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي ، قلت : كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي ، وقد قلت ما قلت ، حتى يحكم اللّه ورسوله فينا ، ثم جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذكرت ذلك له ، فما برحت حتى نزل القرآن ، فتغشى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : ما كان يتغشاه ثم سرّي عنه ، فقال لي : « يا خولة قد أنزل اللّه فيك وفي صاحبك ، ثم قرأ عليّ قَدْ سَمِعَ إلى قوله : عَذابٌ أَلِيمٌ » فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « مريه فليعتق رقبة » ،